عمران سميح نزال

28

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

من فعل الرسول نفسه فقط ، قاطع لكل قول في مسألة جمع القرآن الكريم ؛ ومنه جمع الآيات في السورة الواحدة . فإذا قيل إن المقصود من تبديل الآيات في سورة النحل هو النسخ ، فهذا القول مرجوح بأن سورة النحل مكية وليس في مكة ناسخ ومنسوخ ، وإذا قيل إن تبديل الآيات هنا للمعجزات التي أتى بها الأنبياء ، أو تبديل الكتب المنزلة على رسل اللّه تعالى ، فهذا الرأي مرجوح أيضا بأن علة تبديل الآيات في سورة النحل هو من أجل تثبيت الذين آمنوا ، وهدى وبشرى للمسلمين ، أي أنها في معرض الحديث عن التنزيل الذي يخص الذين أمنوا ، فهي تبين توسع القضايا الفكرية التي عالجتها السور المكية في أوائل التنزيل المكي وأواخره ، فسورة النحل مما نزل في أواخر العهد المكي ، ونزول آيات قرآنية أكثر مواجهة لمشركي مكة من الآيات التي سبقتها ، أو نزول أحكام جديدة لم تكن قد نزلت في تشريع سابق ، وهذا كله مستفاد من حكمة نزول القرآن مفرقا كما جاء في سورة الفرقان وسورة الإسراء ، فكان التنزيل يترتل ترتيلا مع التواريخ والأيام التالية والوقائع والأحداث المتجددة . ومعنى كلمة الآية في القرآن الكريم جاء لأكثر من معنى ، أولها : للمعنى الحسي والعقلي ، مثل معجزات الأنبياء كما في قوله تعالى من سورة طه في الحديث عن فرعون : وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى ( 56 ) قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) ، فالآيات التي كانت تظهر على يدي موسى عليه السلام كانت آيات مادية ، حسية وعقلية ، مثل العصا والحية وغيرها ، ومن المعاني الحسية والعقلية الآيات الكونية مثل قوله تعالى من سورة آل عمران : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) ، وقوله تعالى في سورة الأنبياء المكية : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) . والمعنى الثاني لكلمة الآية في القرآن الكريم جاء للنص الكلامي اللغوي ، أي العبارة القرآنية المكونة من كلمات وحروف منتظمة ، مثل قوله تعالى من سورة مريم :